القرطبي
170
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يا يوسف ! فولى هاربا . وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال : مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله ، قال مجاهد : فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكرا إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان ، ونقص بتلك الشهوة ولده ، وقيل غير هذا . وبالجملة : فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوي إيمانه ، وامتنع عن المعصية . قوله تعالى : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) الكاف من " كذلك " يجوز أن تكون رفعا ، بأن يكون خبر ابتداء محذوف ، التقدير . : البراهين كذلك ، ويكون نعتا لمصدر محذوف ، أي أريناه البراهين رؤية كذلك . والسوء الشهوة ، والفحشاء المباشرة . وقيل : السوء الثناء القبيح ، والفحشاء الزنى . وقيل : السوء خيانة صاحبه ، والفحشاء ركوب الفاحشة . وقيل : السوء عقوبة الملك العزيز . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " المخلصين " بكسر اللام ، وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله . وقرأ الباقون بفتح اللام ، وتأويلها : الذين أخلصهم الله لرسالته ، وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين ، لأنه كان مخلصا في طاعة الله تعالى ، مستخلصا لرسالة الله تعالى . قوله تعالى : واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ألا أن يسجن أو عذاب أليم ( 25 ) قوله تعالى : ( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر ) . فيه مسئلتان : الأولى - قوله تعالى : ( واستبقا الباب ) قال العلماء : وهذا من اختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني ، وذلك أنه لما رأى برهان ربه هرب منها فتعاديا ، هي لترده إلى نفسها ، وهو ليهرب عنها ، فأدركته قبل أن يخرج . " وقدت قميصه من دبر " أي من خلفه ، قبضت في أعلى قميصه فتخرق القميص عند طوقه ، ونزل التخريق إلى أسفل القميص .